الشيخ عبد الغني النابلسي

181

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

ولمّا قال عليه السّلام : « النّاس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » نبّه على أنّه كلّ ما يراه الإنسان في حياته الدّنيا إنّما هو بمنزلة الرّؤيا للنّائم خيال فلا بدّ من تأويله . إنّما الكون خيال * وهو حقّ في الحقيقة والّذي يفهم هذا * حاز أسرار الطّريقة فكان صلى اللّه عليه وسلم إذا قدّم له لبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه وزدنا منه » لأنّه كان يراه صورة العلم ، وقد أمر بطلب الزّيادة من العلم ؛ وإذا قدّم له غير اللّبن قال : « اللّهمّ بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه » . فمن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن أمر إلهي فإنّ اللّه لا يحاسبه به في الدّار الآخرة ، ومن أعطاه اللّه ما أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهيّ فالأمر فيه إلى اللّه ، إن شاء حاسبه به ، وإن شاء لم يحاسبه . وأرجو من اللّه في العلم خاصّة أنّه لا يحاسبه به . فإنّ أمره لنبيّه بطلب الزّيادة من العلم عين أمره لأمّته فإنّ اللّه يقول : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] . وأيّ أسوة أعظم من هذا التّأسّي لمن عقل عن اللّه تعالى . ولو نبّهنا على المقام السّليمانيّ على تمامه لرأيت أمرا يهولك الاطلاع عليه فإنّ أكثر علماء هذه الطّريقة جهلوا حالة سليمان عليه السّلام ومكانته وليس الأمر كما زعموا . ولما قال ، أي النبي عليه السلام الناس نيام ، أي نائمون بنوم الغفلة والغرور فإذا ماتوا الموت الطبيعي أو الاختياري عن حياتهم الدنيا انتبهوا من نومهم ذلك نبه صلى اللّه عليه وسلم أمته على أنه ، أي الشأن كل ما يراه الإنسان يقظة في حياته الدنيا من محسوس ومعقول إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم فهو خيال فلا بد من تأويله أي إرجاعه إلى حقيقته التي خيلت للرائي تلك الصورة ومن ذلك اللبن الذي كان يشربه صلى اللّه عليه وسلم في اليقظة بتأويل العمل كما مر . إنما الكون أي الكون المخلوقات كلها من المعقولات والمحسوسات خيال في الحس والعقل تظهر للرائي في اليقظة والمنام فيسميها بالأسماء المختلفة ويحكم عليها بالأحكام المتنوعة وهو ، أي الكون المذكور ، كله حق ظهر بصورة الخلق في الحقيقة ، أي حقيقة الأمر ، وفي الشريعة المبنية على الظاهر هو خلق قائم بحق . والإنسان الذي يفهم هذا الأمر المذكور ويعرفه ويكشف عنه بذوقه ويتحقق به في نفسه وغيره حاز ، أي جمع وملك أسرار ، أي أصول الطريقة ،